رؤوسٌ طَأْطَأْتْ وأسسٌ اِنْحَنَتْ :

كتاب وآراء

رؤوسٌ طَأْطَأْتْ وأسسٌ اِنْحَنَتْ :

2020-03-16 20:14:38
انتصف الليلُ , والأبوان ينظران في وجه الرضيعِ بحسرة وقلق , كان تنفسُه ثقيلا , الجو مكسوٌ بغبار موسمي , الدقائقُ تمر والتنفسُ يزداد صعوبةً . قررا الذهابَ به للمستشفى الذي يبعد بضعة كيلومترات ، لفت الأمُ رضيعَها في منشفة صغيرةٍ , وتوجه الأبُ نحو سيارته المتهالكة , وانطلقا مصطحبا أخته معهما . نصف الطريق ترابي , الأمُ ترقب بقلق صدرَ الرضيعِ يصعد وينخفض بمشقة . والأبُ يضغط دواسةَ البنزين لعلها تنطلق أسرع . 
كان الأبُ يفكر في وليده , الذي ولد قبل أيام , كم مضت سنون وهم يحلمون بلحظة مولده , ليملأ حياتَهم سعادة واستقرارا . وعند نهاية الخط الترابي وفي ظلامٍ شبه دامس , هدأ السرعةَ ليقفَ أمام نقطة أمنيةٍ ، فتح زجاجَ السيارةِ , لم يكن هناك جندي يقف عندها , انتظرَ ولم يأتِ أحد , وأمام قلقه على حياة ولده انطلق ، وبعد أمتار قليلة مزقت جوفَ الليلِ رصاصاتٌ فوق سيارته . عاد أدراجَه إليهم ليقابله جنديٌ يتثاءب مزمجرا "مالك ما تشوف النقطة " . " يا ابني وقفت ولا أحد عندها " . " عادي ! قف لما أجيك " . " العفو منك ! معي ولدي مريض ولهذا تحركت " . 
واخذ الجنديُ يسلطُ كشافَه في وجوه الركاب . ويلفُ حول السيارة بتثاقل . لم تطقِ الأختُ صبرا قالت " يا أخي , الولد تعبان , حرام عليك فكنا " , نهرها أخوها " بنت ". رد الجنديُ " مش على كيفكم ! لازم اتصل بالقيادة ".
وبعد دقائق كالساعات , قال " يا الله رح , بس أنتبه تكررها " . وانطلق مسرعا , قائلا لأخته " كنتِ با توقعينا في مشكلة " . " يا أخي قده يشوف حالتنا , وعاده يتمطط " . " الله يهديكِ , بعضهم الله يعلم كيف حالتهم آخر الليل !! قرحة قات أو بلاوي ثانية , ونخاف نشد معه , يتعبنا زيادة , أو ما ندري إلا وحط رصاصة بالرأس . وكم قرأنا مثل هذا , من بعد كلمة عابرة أو مشادة خفيفة " . " بس اللي هنا المفروض أنهم دولةٌ , مش زي اللي هناك " . " أقول لكِ دنيا مخبوطة , ما فيش رأس ولا ساس . كلهم حق رواتب وبس . والجنود لفلفوهم ولبسوهم بدلات بلا تدريب ولا تأهيل , ولا إدارة ولا متابعة . وعلى بعد 500 متر فقط , أمامهم نقطة أخرى مدعومة بالأطقم العسكرية . 
وقف عندها , واجهه جنديٌ ملأ فاه بالقات , بينما يتكئ زملاؤه مخزنين على سطح الطقم . طلب البطاقةَ وملكيةَ السيارةِ ، وأخذ يتفحصهما بكشافه , ثم تجول متنزها حول السيارة , وعند باب الركاب فتحه بقوة دون طلب أو استئذان , لتدخل موجةُ غبارٍ قوية , أصابت الأمَ والأختَ بحالة سعال متلاحق ، بينما عطس هو بقوة ناثرا في السيارة فتاتَ قاتٍ من فمه , أغلق الجنديُ البابَ كما فتحه بقوة , ليقف أمام السيارة متفحصا لوحتها . وهنا نسي الأبُ نصيحته لأخته " يا طيب ! أبني مريض , خلنا نلحقه لا يروح علينا , عيب عليكم " .
 وتحرك الجندي نحوه حانقا " خلها بالسهالة ! الأعمارُ بيد الله يا حاج , نحن نقوم بواجبنا ما نلعبش ! ليش زعلان ؟ " . وبعد جولة من التفحص المملِ , أشاح بيده " تفضل ! وخل العجلة "  . 
انطلق الأبُ مرددا " الأعمار بيد الله , نعم ، والتأخر منكم " . وعلى سرير الطوارئ تعلقت قلوبُهم بالطبيب والممرضين وهم يجاهدون في شفاء أملهم المنشود , وتعافي حلمهم المرتقب . لحظاتٌ لا يمكن وصفها مضت , قبل أن يقولَ لهم الطبيبُ " أحسن اللهُ عزاءَكم .. تأخرتم !! " . 
صرخت الأختُ لوعةً , أغمي على الأمِ قهرا , سقط الأبُ منهارا , يردد ودمعه يتقاطر " تأخرنا !! تأخرنا !! . وكيف لا نتأخر , وفينا من يعرقلُ سيرنَا , وبيننا من يعيقُ تقدمَنا " ... آه عليك يا ولدي , وألف آه عليك يا وطني .
أبو الحسنين محسن معيض

كاريكاتير

عدسة شبوة الحدث

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر